الحلبي

192

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

في خطبته كان على سيف روي ولم يثبت . وذكر فقهاؤنا تلك الحكمة حيث قالوا : وحكمة اعتماده على العصا أو القوس أو السيف الإشارة إلى أن هذا الدين قام بالسلاح ، وقول صاحب الهدى : وكان قبل أن يتخذ المنبر يعتمد على قوس أو عصا ، يقتضي أن بعد اتخاذ المنبر لم يعتمد على شيء من ذلك ، أي وصرح به صاحب القاموس في « سفر السعادة » حيث قال : لم يكن يأخذ السيف والحربة بيده ، بل كان يعتمد على القوس أو العصا ، وذا قبل اتخاذ المنبر ؛ وأما بعد اتخاذ المنبر فلم يحفظ أنه اعتمد على العصا ، ولا على القوس ، ولا على غير ذلك هذا كلامه ؛ فيكون الاعتماد على ذلك فوق المنبر بدعة ، وهو خلاف ما عليه أئمتنا من أنه يسن أن يشغل يمناه بحرف المنبر ويسراه بما يعتمد عليه من نحو العصا ، لكن قالوا : كعادة من يريد الضرب بالسيف والرمي بالقوس ، وهو لا يأتي في العصا ولا يأتي في السيف إذا كان في غمده . ووجود المرقى الذي يقرأ الآية والخبر المشهور بدعة ، لأنه حدث بعد الصدر الأول ولم أقف على أول زمان فعل فيه ذلك ، لكن ذكر بعضهم أنه صلى اللّه عليه وسلم في حجة الوداع أمر من يستنصت له الناس عند إرادة خطبته ، وعليه إن كان استنصتهم بالحديث فذكر المرقى للخبر ليس من البدعة . إلا أن يقال هو بالنسبة لخطبة الجمعة بدعة ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم كان يذكر الحديث على المنبر ، فالسنة أن يذكره الخطيب كذلك . ففي « سفر السعادة » : وكان صلى اللّه عليه وسلم في أثناء الخطبة يأمر الناس بالإنصات ويقول « إن الرجل إذا قال لصاحبه أنصت فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له » وكان صلى اللّه عليه وسلم يقول « من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا ، والذي يقول أنصت ليس له جمعة » . وقول الحافظ الدمياطي : كان صلى اللّه عليه وسلم يخطب على جذع قائما ، وأنه قال : إن القيام شق عليّ ، يقتضي أن حنين الجذع كان عند قيامه على ذلك المنبر من الخشب ، وأنه لم يتخذ قبل ذلك المنبر من الطين الذي قدمناه ، وفيه نظر . وكذا في قوله : وقال له تميم الداري إلى آخره ، لأن تميما الداري إنما أسلم في السنة التاسعة ، وهذا المنبر الذي من الخشب إنما فعل في السابعة أو الثامنة ، وعلى هذا اقتصر الأصل حيث قال في الحوادث . وفيها : أي السنة الثامنة اتخاذ المنبر والخطبة عليه ، وحنين الجذع ، وهو أول منبر عمل في الإسلام ، وهو في ذلك موافق لما قدمه هو : أي الأصل من اتخاذ المنبر له من الطين قبل ذلك ، وأنه كان عنده حنين الجذع . وعلى كون المنبر عمل في الثامنة ، لا يشكل كون العباس رضي اللّه تعالى عنه